أديان ومجتمع

تعريف الدين بصفة مفصلة وعناصره

الدين الاسلامي الحنيف

مفهوم الشامل للدين

كم هي متنوعة ومتعددة تلك المعتقدات الدينية عند البشر “بحيث لا يستطيع الباحثون والدارسون إعطاء تعريف جامع مانع للدين”، فالمعتقدات والقيم الدينية عند المجتمعات التقليدية (البدائية) والمجتمعات الأكثر ارتقاءً (أصحاب الديانات السماوية) مختلقة تماما، بل يصل بنا الأمر إلى أن نجد تصور الدين مختلف عند أفراد المجتمع الواحد، بل مختلف حتى عند الفرد نفسه، وذلك عبر مراحل حياته المختلفة بحيث “في كل مرحلة من العمر يختلف تأثير الدين فيها عن غيرها من المراحل”.

فالدين كظاهرة اجتماعية “يخضع لإيمان الشخص الذي يضع التعريف وبالتالي يصعب وضع تعريف يرضي جميع الناس، فالدين يتناول واحدة من أقدم نقاط النقاش على الأرض”، وهو” ظاهرة فكرية اجتماعية رافقت تاريخيا قيام المجتمعات البشرية، فجاورت قديما الخرافة، والأسطورة، وربما انبعثت عنهما، ليس الدين مجموعة من المعتقدات فحسب، بل ممارسات (صلاة ، صوم ،…الخ) أما الأديان المنزلة فقد تميزت بتشديدها على مصدرها الإلهي، فأنبياء العهد القديم ينطقون بما أوحى الله إليهم، والمسيح هو ابن الله المتجسد… و القرآن هو كلام الله.” لذا نجد تعاريف الدين مختلفة حسب كل علم وكل تخصص وكل إيديولوجية، وفي ما يلي محاولة لعرض بعض هذه التعاريف في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من أجل الوقوف عند أهمها في مجال دراسات الدين:

تعريف الدين في علم الأديان

يرى علماء الدين أمثال (فريديريك شلاير ماخر) أن: “الدين لا يمكن اختصاره بمظاهره الاجتماعية والثقافية الجماعية التي لا تشكل إلا مظاهر ناتجة عن الدين وليس الدين أساسا، فالدين بالنسبة لهم هو الوعي والإدراك للمقدس وهو إحساس بأن الوجود والعالم تم إيجاده بشكل غير طبيعي عن طريق ذات فوق طبيعية تدعى الإله أو الخالق أو الرب”.

إذن يرى علماء الدين أن هناك شعورا لدى الإنسان بالعجز المطلق، يفقد معه الأمان اتجاه الإله، لذلك هناك علاقة بين هذا العجز والتدين، وطلب الأمان بعدم التخلي عن الإيمان بالمقدس أو الفوقي.

تعريف الدين عند المتصوفة

يرى “محي الدين ابن عربي” أن الدين دينان : دين عند الله وعند من عرفه الحق تعالى ومن عرف من عرفه الحق. و دين عند الخلق وقد اعتبره الله. فالدين الذي عند الله هو الذي اصطفاه الله واعطاه الرتبة العليا على دين الخلق، وهو قوله تعالى :{إن الدّينَ عِندَ الله الإسلاَم} وهو الانقياد. فالدين عبارة عن انقيادك، والذي من عند الله تعالى هو الشرع الذي شرعه الله تعالى، وهي[ النوع الثاني للدين ] النواميس الحكمية التي لم يجيء الرسول المعلوم بها في العامة، من عند الله بالطريقة الخاصة المعلومة في العرف.

فلما وافقت الحكمة والمصلحة الظاهرة فيها الحكم الإلهي في المقصود بالوضع المشروع الإلهي، اعتبرها الله اعتبار ما شرعه من عنده تعالى.

تعريف الدين في الفلسفة

في هذا الميدان نجد الفلاسفة دائما يربطون بين الحكمة والدين أو بين العقل والإيمان أو بين العقل والوحي، فمثلا أوغست كونت يرى “أن الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية سامية” ويرى هيغل أن “الدين فن باطني يصور لنا الحقيقة الإلهية من الداخل عن طريق الشعور الباطني” ويرى أيضا أن “التدين عنصر أساسي في تكوين الإنسان وجزء من ماهيته، بل الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يكون له دين”.

إذن فأصحاب هذا الاتجاه يرون أن الحكمة (الفلسفة أو العقل) والوحي هما وسيلتنا لتحصيل المعرفة، وهذه الثنائية هي صادرة من أصل واحد انبثقتا منه ألا وهو الله “فإن الله هو الذي أودع العقل في الإنسان، وهو الذي أعلن للناس حقائق الوحي” ولقد جاء كذلك في موسوعة لالاند أن الدين مؤسسة اجتماعية متميزة بوجود إيلاف من الأفراد المتحدين:

  • بأداء بعض العبادات المنتظمة وباعتماد بعض الصيغ.
  • بالاعتقاد في قيمة مطلقة لا يمكن وضع شيء آخر في كفة ميزانها، وهو اعتقاد تهدف الجماعة إلى حفظه.
  • بتنسيب الفرد إلى قوة روحية أرفع من الإنسان، وهذه ينظر إليها كقوة منتشرة، وإما كثيرة وإما وحيدة، هي الله.

تعريف الدين في علم النفس

يرى دعاة هذا الميدان أن القيم والمعتقدات الدينية المكونة للجماعات، تضفى بميزة خاصة هي الإحساس الديني، حيث يرى (جوستاف لوبون) “إن اعتقاد الجماعات يصطبغ بصبغة خاصة هي الشعور الديني”، بحيث يكون هذا الشعور باعث لأن يتوهم الفرد “ذات قوية” هي فوق جميع الذوات، تستحق الخضوع التام لأوامرها ونواهيها والخوف من هذه الذات الخفية القوية، ولا يتوقف الأمر هنا، بل يجب معاداة من لا يحترمها” ومتى تكيف الشعور بهذه الصفة فهو من طبيعة الشعور الديني”.

لكن ما هو مهم بالنسبة لمقالنا هذا، هو تعريف (ريفيل) حيث يقول”: الدين بأنه تحقيق الحياة الإنسانية بواسطة الإحساس بأن رباطاً يصل الروح الإنسانية بالنفس الخفية التي تعترف الأولى بما للثانية من سلطان على العالم وعليها، والتي يجب أن تكون شاعرة بالاتصال دائما”.

إذن هناك روح الإنسان وهناك الروح الخفية المطلقة، ويجب على روح الأولى أن تسلم للثانية بسلطانها عليها وعلى الوجود ويجب أن تكون دائما شاعرة بالتواصل معها بشكل دائم ومستمر، وعليه يعتبر الدين من وجهة النظر النفسية عاملا مهما في شخصية الفرد لتحقيق التوازن النفسي.

تعريف الدين في الأنثروبولوجيا

إن أهم تعريف نجده في الحقل الأنثروبولوجي للدين، هو ذلك المفهوم الذي قدمه “غيرتز”، وذلك عندما أقحم ” البعد الثقافي في التحليل الديني”، فهو يرى أن الدين عبارة عن ” نظام من الرموز يعمل لإقامة حالات نفسية وحوافز قوية وشاملة ودائمة في الناس عن طريق صياغة مفهومات عن نظام عام للوجود وإضفاء الواقعية على هذه المفهومات بحيث تبدو هذه الحالات النفسية والحوافز واقعية بشكل فريد”.

وبواسطة هذه الأشكال الرمزية ” يتواصل الناس وبها يستديمون ويطورون معرفتهم حول الحياة وموقفهم عنها”، وهكذا يكون “غيرتز” قد ركز على الحياة الاجتماعية الواقعية للناس وتداولهم للمعاني والمفاهيم والرموز الدينية، ونظرتهم للكون ، في تعريف “الدين”.

تعريف الدين في علم الاجتماع

للدين أيضا وجهة اجتماعية صرفة، قد تعرض إليها العلماء المختصين في هذا الحقل، أمثال جوبلي الفييلا، ماك إيفر، شاتل، فريزز.فيرى كوبلي الفييلا: ” أن الدين هو الطريقة التي يحقق بها الإنسان علاقاته مع الطاقات فوق الإنسانية، أو الخارقة أو الخفية والتي يعتقد في حمايتها”.

أما “ماك إيفر، وشارل بيج يعرفان الدين بأنه علاقة لا تقوم بين إنسان وإنسان آخر، ولكن تقوم كذلك بين الإنسان وقوة ما أعلى منه”.

لكن لا يمكن لنا التعرض للدين من الوجهة الاجتماعية بدون الرجوع إلى زعيم المدرسة الفرنسية إيميل دوركايم الذي يرى ” أن الدين هو عبارة عن مجوعة متماسكة من العقائد والعبادات المتصلة بالعالم المقدس والتي تنظم سلوك الإنسان حيال هذا العالم بحيث تؤلف هذه المجموعة وحدة دينية تنظم كل من يؤمنون بها”.

إذن يرى “دوركايم” أن الدين يتركب من عنصرين أساسين هما: العقيدة، والشعائر والتي يكون بها الإنسان جسر للتواصل مع الله .

فعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر، حول تعريفات الدين السابقة، عند العلماء والباحثين المشتغلين في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، فإنه ” يمكن اعتبار الدين منهجاً في الحياة ، تتبعه كل جماعة أو يرتضيه كل مجتمع، على اعتبار أن هناك ارتباطا وثيقا بين طبيعة النظام الاجتماعي وطبيعة التصور الاعتقادي.”

عناصر الدين

استنادا إلى التعاريف الاصطلاحية التي مرت بنا، و التي حاول العلماء من خلالها الإحاطة العلمية بمفهوم الدين، نكتشف أنه ” يعتمد قيام الأديان على عنصرين: أحدهما نظري، يتمثل في الأفكار والمعتقدات الدينية، ويتمثل الآخر كعنصر عملي في الطقوس المختلفة التي يقومون بها ويطبقونها ويفعلونها في المناسبات الدينية”.

العنصر الأول : الأفكار والمعتقدات الدينية

وهو العنصر النظري للدين، أو الجانب الاعتقادي له، و الذي يتمثل في مجموعة من الأنظمة والأفكار والمعتقدات للسيطرة عن طريق الأمر والنهي. وهذا العنصر من الدين هو ” خارجي وقائم في المجتمع قبل ظهور الأفراد، فهم يخرجون إلى الحياة اليومية يجدونه سابقا لظهورهم يأخذون به ” ، ويبقى هذا الجانب النظري من الدين يعبر عن كل فكرة أو عقيدة مرتبطة بالقوة الإلهية الخفية المقدسة والخارقة، والتي تسعى إلى تنظيم سلوكيات البشر في المجتمع.

العنصر الثاني : الطقوس والممارسات

وهو العنصر العملي للدين، أو الجانب التطبيقي له، والذي يشمل مجموعة من الطقوس أو الشعائر التعبدية التي يقوم بها المتدينون إما جماعة في المؤسسة الدينية (معبدا، أو كنيسة، أو مسجدا..) أو أشتاتا في دورهم الخاصة حيث أن اليهود مثلا صلاتهم “على نوعين : صلاة فردية وصلاة جماعية “، وعند المسلمين أيضا صلاة الفرائض تُستحب جماعيا، و صلاة النافلة تُستحب فرادى في البيوت.

“فعن عبد الله بن شقيق قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله –صلى الله عليه و سلم- عن تطوعه ؟ فقالت: كان يُصلي في بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيصلي ركعتين. وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين …”.

الخاتمة

من خلال كل ما سبق يتضح لنا أن الدين كظاهرة اجتماعية يضع تبعية للحياة الإنسانية بأن يكون لها إحساس أو علاقة أو اتصال ميتافيزيقي، بين الإنسان (المخلوق) وبين الله (الخالق) وهو ما نسميه بالاتصال العمودي، واتصال آخر يكون أفقي واقعي اجتماعي إمبريقي، يمثل جميع العلاقات والتفاعلات بين المجموعة البشرية تحقيقا لتواصلهم المستدام.

السابق
تعريف وتعاليم الديانة الهندوسية
التالي
وظائف وأهمية الدين في حياة الفرد والمجتمع

اترك تعليقاً