أديان ومجتمع

مفهوم الروح لغة واصطلاحا وتعريفه في مختلف الديانات

مفهوم الروح في الديانات

تعريف الروح في اللغة

جاء في معجم الوسيط: “(الروح) ما به حياة النفس (يذكر ويؤنث) والنفس (جمع أرواح) والقرآن، والوحي.”

وجاء في لسان العرب “قال الزجاج: جاء في التفسير أن الروح الوحي أو أمر النبوة، ويسمى القرآن روحا، ابن الأعرابي: الروح الفرح والروح: القرآن والروح الأمر والروح النفس.. والروح ها هنا جبريل: والروح عيسى”.

وجاء في مقايس اللغة أن الروح ” الراء والواو والحاء أصل كبير مطرد، يدل على َسَعٍة ما لكسرة وفسحة، واطراد، وأصل [ذلك] كله الريح، وأصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياءً قبلها، فالروح روح الإنسان، وإنما هو مشتق من الريح، وكذلك الباب كله والّروح نسيم الريح، ويقال أراح الإنسان إذا تنفس والروح جبريل عليه السلام”.

من خلال التعاريف اللغوية للروح، نستنتج أنه لا يوجد معنى أو دلالة واحدة محددة لمفردة للروح، بل لها دلالات متعددة ومختلفة.

الروح = القرآن (الوحي) = أمر النبوة = عالم الأمر = جبريل = عيسى ابن مريم عليه السلام. و قليل هي النفس.

تعريف الروح في الاصطلاح

الروح لفظة ذات كنه ديني وفلسفي عميق، لذا نجد تعريفه وتحديده بحسب تنوع الأديان وتعدد الفلسفات، على أن تقاطع جميع التعاريف ينص على أن الروح شيء معنوي قائم في الذات الإنسانية وعلى أساسه يتم الإدراك والوعي والتفكير والشعور الإنساني.

فهناك من يرى أن النفس والروح شيء واحد وهناك من يرى عكس ذلك، “و جريت على استعمال لفظ الروح والنفس بمعنى واحد كما هو عند جمهور الفلاسفة، واختيار أبي حامدا لغزالي وابن حزم الأندلسي”.

ويرى الباحث “عدنان إبراهيم” أن هناك بون، بين النفس والروح بقوله “النفس ليست خصيصة إنسانية، النفس خصيصة حيوانية، كل الكائنات الحية فيها نفس، حتى الملائكة ﴿كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمّ إلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾) العنكبوت، (57).

النفس هي التي تجعل البنية حية، تخرجها من حيز الجمادية، النفس موجودة في الإنسان وسائر الحيوانات، أما الروح قرآنيا خصيصة إنسانية، الروح نفخة إلهية علوية اختص بها الله الإنسان فقط.. هذه الروح هي التي تجعله يبحث عن الما وراء التي جعلته يؤسس الميتافيزيقيا، جعلته عاشقا للجمال، يبحث عن المستقبل، يبحث في الموت والعدم، يخاف من الموت والنهاية والفناء، فيه روح، فيه إذن هذه الأشياء”.

ويقول أيضا في موقف آخر ” الروح ليست هي النفس، لا تخطئوا الروح شيء والنفس شيء، الروح دائما ممدوحة والنفس مرة ومرة، ﴿فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرينَ ﴾ المائدة: (30). ﴿وَمَاأُبَرِئُ نَفْسِي إنّ النّفْسَ لَأَمّارَةٌ بالسّوءِ إلّا مَا رَحِمَ رَبِي﴾ يوسف، (53).

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا ﴾ )الشمس، (9). أما الروح فهي دائما في مصاف عاٍل ، الروح سر من اسرار الله الخالق، اختص بها بني آدم وحده، لا جن ولا ملك، ولا حيوان.

الروح سر بحثنا عن الله، ُتشوقنا للدين، للغيب، تذوقنا للجمال بحثنا عن المطلق، سر التفلسف عند الإنسان، سر الفضول المعرفي ولنعرج الآن على الروح عند مفكري الديانات السماوية باختصار:

تعريف الروح عند مفكري اليهود

لقد عرف الفيلسوف اليهودي المصري سعيد ابن يوسف الفيومي بقوله: “فإن الروح يشكل ذلك الجزء من الإنسان المسؤول عن التفكير والرغبة والعاطفة”.

ولقد جاء في موسوعة المصطلحات اليهودية الدينية أن ” نور الله هو روح الإنسان ” فالروح مصدر طاقة وعلم وتفكير عند الإنسان، والتي استمدت كل هذا من الروح المطلق الخالق للإنسان والطبيعة.

تعريف الروح عند مفكري المسيحية

وينقل لنا هوستن سميث عن وليام جيمس من خلال دراسته الروحية التحليلية لأديان العالم الكبرى: “أن هناك نظاما غير مرئي (غيبي) وإن خيرنا الأسمى يكمن في العلاقات الصحيحة معه .. ولقد أطلقوا (أي المسيحيين)* على ذلك النظام اسم الروح”.

كما يضيف المفكر المسيحي أورليس أوغسطينس (430-354م) إن “الروح عبارة عن مادة خاصة وفريدة غرضها التحكم في الجسد”.

كما نجد “الإنجيل” يوضح مفهوم الروح من خلال المقارنة التي وضعها بين الروح والجسد وذلك من خلال الرسالة الموجهة إلى مؤمني غلاطية من لدن بولس، حيث جاء فيها : “إنما أقول اسلكوا في الروح. وعندئذ لا تـُتَّممون شهوة الجسد أبدا فإن الجسد يشتهي بعكس الروح. والروح بعكس الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى والروح بعكس الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى إنكم لا تفعلون ما ترغبون فيه. ولكن إذا كنتم خاضعين لقيادة الروح، فلستم في حال العبودية للشريعة.  أعمال الجسد فظاهرة، وهي الزنى والنجاسة والدعارة، وعبادة الأصنام والسحر، والعداوة والنزاع والغيرة والغضب، والتحزب والانقسام والتعصب، والحسد والّسكر والعربدة، وما يشبه هذه. وبالنظر إليها أقول لكم الآن، كما سبق أن قلت أيضا، إن الذين يفعلون مثل هذه لن يرثوا ملكوت الله وأما ثمر الروح :المحبة والفرح والسلام، وطول البال واللطف والصلاح والأمانة والوداعة وضبط النفس. وليس من قانون يمنع مثل هذه الفضائل. و لكن الذين صاروا خاصة للمسيح، قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات. إذا كنا نحيا بالروح، فلنسلك أيضا بالروح. لانكن طامحين إلى المجد الباطل، يستفز بعضنا بعضا، ويحسد أحدنا الآخر”.

فالروح في الموروث المسيحي هي مبعث كل ثمرة حسنة عند الإنسان، عكس تماما مبعث الجسد الذي كله دناءة، ومبعث كل ما هو مذموم.

تعريف الروح عند مفكري الإسلام

يرى ابن قيم الجوزية ( 691ه-751ه / 1292م – 1349م) أن الروح، وردت في القرآن والسنة النبوية بمعان متعددة هي:

  1. الوحي المنزل في قوله تعالى : ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِِنْ أَمْرنَاالشورى: 52.
  2. القوة و الثبات والنصرة التي يؤيد الله بها من شاء من عباده المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبهمُ الْإيمَانَ وَأَيّدَهُم برُوحٍ مِِنْهُا ﴾ المجادلة، (22).
  3. إنها تطلق على جبريل أمين الوحي عليه السلام، كما في قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بهِ الرّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرينَ﴾ الشعراء، (194-193).
  4. إنها تطلق على الروح التي سأل عنها اليهود فأجيبوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن الرّوح  قُل الرّوحُ مِنْ أَمْر رَبِي وَمَا أُوتِيتُم مِِنَ الْعِلْم إلّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: )85.
  5. إنها تطلق على المسيح بن مريم – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام – قال تعالى : ﴿ إنّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّـهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِِنْهُ﴾ ( النساء: )171.

هذا وإن أرواح بني آدم لم ترد في القرآن إلا بمسمى النفس، لكنها وردت في السنة بلفظ النفس والروح… ويشير أيضا ابن القيم إلى “أن الروح التي اقترنت بهذا البدن خلقت من مادة علوية.. وهي بهذا الاقتران تشعر بالغربة وتحن إلى مكانها العلوي، إلا أنها أحيانا لشدة انشغالها بالبدن وبالمحسوسات المألوفة تنسى َمْعلمها ووطنها وتخلد إلى الأرض”.

تعريف الروح عند متصوفة الإسلام

يركز الصوفية على تزكية الأنفس، وتصفية الأخلاق، والاعتناء بالظاهر والجوهر على السواء، من أجل الفوز بالسعادة الأبدية، فراحوا يميزون بين النفس والروح،”حيث يميزون تمييزا واضحا بين هذه الألفاظ، فالنفس عندهم شر محض وهي محل الأخلاق المذمومة، وموضع نظر الخلق، أما الروح فهي مبدأ الحياة ومحل الأخلاق المحمودة، وهي لطيفة نقية متحررة من سلطان النفس يعزو إليها الصوفية جميع مظاهر الإنسان الروحية، وهي أمر الله لا يدرك كنهها، كما أنها محل المحبة “.

ويرى المتصوفة في موقف آخر أن ” كل فعل فيه حظ لكون من الأكوان أنه نفسي، يعني أنه عن أمر النفس سواء كان ذلك الفعل محمودا أو مذموما، و كل ما ليس فيه حظ إلا الله تعالى فهو روح وإن الإنسان له ثلاث أنفس: نفس نباتية وبها يشترك مع الجمادات، ونفس حيوانية وبها يشترك مع البهائم، ونفس ناطقة وبها ينفصل عن هذين الموجودين ويصح عليه اسم الإنسانية و بها يتميز في الملكوت، وهي الكريمة “.

إذن الروح عندهم لطيفة ربانية تتميز بالكمال، وتتميز بالمحمودية، وبها يحقق الإنسان المحبة والاتصال مع الخالق.

تعريف الروح من وجهة نظر فلسفية

لقد جاء في موسوعة الفلسفية لأندريه لالاند أن الروح “هي الحقيقة المفكرة عموما، هي فاعلة للتمثل بقوانينه وفاعليته الذاتية، بوصفه قابل لموضوع التمثل، و هو يتضمن ثلاثة دلالات:

  • الروح في مقابل المادة.
  • الروح في مقابل الطبيعة.
  • الروح في مقابل الجسد.

تعريف الروح من وجهة نظر علماء النفس

يستخدم علماء النفس اصطلاح ‘الذات الإنسانية’ كمرادف لمفهوم ‘الروح المدرك والنفس والعقل’ الذي تستخدمه الديانات في العالم.

تعريف الروح من وجهة نظر علمية (وضعية)

لقد أثبت الطب وعلوم الأعصاب: “إن المنطقة الجانبية من الدماغ والمسمى، الفص الصدغي من المحتمل جدا أن يكون مسؤولا عن تنظيم الجانب الروحي في حياة الإنسان، وقد تم التوصل إلى هذا الاستنتاج عن طريق الأشخاص الذين يعانون من صرع المنطقة الصدغية من الدماغ، بحيث ولأسباب غير معروفة، يزداد النشاط الكهربائي لهذه المنطقة بمعزل عن بقية الدماغ، وهذا يؤدي إلى ظهور أعراض وعلامات من أهمها أفكار دينية وروحية معقدة وأفكار ميتافيزيقية والتعلق بفكرة دينية معينة، إلى حد الهوس .. الأمر الذي دفع العلماء إلى إجراء تجارب ترتكز على قياس نشاط هذا القسم من الدماغ في أشخاص متدينين غير مصابين بالصرع ومقارنته بأشخاص ملحدين وتم التوصل في جامعة كاليفورنيا في سان دياغو الواقعة في ولاية كاليفورنيا عام 1997 إلى ملاحظة أن النشاط الكهربائي الدماغي في الفص الصدغي هو أعلى في المتدين مقارنة بالملحد”.

وعليه نستطيع أن نقول هناك علاقة وطيدة بين تدين الإنسان وبيولوجية، وبرنامجه الصبغي الوراثي.

السابق
مفهوم التربية الروحية
التالي
تعريف وتعاليم الديانة البوذية

اترك تعليقاً