أديان ومجتمع

مفهوم وتعاليم الديانة الكونفوشيوسية

الديانة الكونفوشيوسية

تعريف الديانة الكونفوشيوسية

تنسب الديانة الكونفوشيوسية إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس (551 ق.م-479 ق.م)، “واسم كونفوشيوس هو النطق اللاتيني لاسم الحكيم الصيني”، حيث استطاع أن يفلح في إقامة مذهب يضمنه كل الأفكار الصينية عن السلوك الاجتماعي والأخلاقي.

أن الظروف التي وجد فيها كونفوشيوس كانت ظروفا مزرية، حيث كان فيه اضمحلال النظام العبودي وتعاظم النظام الإقطاعي، فكانت الفوضى العارمة تضرب في كل مكان، مما ترك آثار واضحة في أعماله التي راحت تدعو إلى بذل الجهد لاستقامة الفرد والمجتمع بموجب التطلع نحو المعرفة بصبر وثبات والتعهد بالتمسك بالقضايا العادلة.

ومن هذا المنطلق يمكن طرح بعض التساؤلات مثل: ما هي تعاليمه، وأسس تربيته؟

التعاليم الكونفوشيوسية

لم يكن لكونفوشيوس تعاليم دينية مقدسة مكتوبة يمتثل لأوامرها ونواهيها، ولم يترك شيئا مكتوبا عن هذه التعاليم، بل كان يقول: “إرادة الله هي طبيعة الإنسان، والذي نسلكه إلى الطبيعة اسمه الطريق والذي يجعلنا قادرين على السير في هذا الطريق هو التعليم والتربية، ولذلك يجب ألا نبعد عن الطريق لحظة واحدة، أين ما ذهبت فخذ قلبك معك”.

فرغم أنه لم يترك شيئا عن تعاليمه وتربيته مسطورا ولم يكتب سطرا واحدا في حياته إلا أن” الأجيال تناولت أحاديثه، ونصائحه ومحاوراته مع تلامذته”، وكانوا ينقلون آراءه ويعلقون عليها ويشرحونها، مما ساعد على تكوين مدرسة كبرى، وهي المدرسة الكونفوشيوسية.

أما الكتب الخمسة التي استمد منها كونفوشيوس إلهامه هي:

  1. كتاب الأغاني أو الشعر (شيه تشينج) Shih Ching، ويحتوي على ثلاثمائة أغنية وخمس، بالإضافة إلى التراتيل الدينية، وتعود أشعار هذا الكتاب إلى عهد تشو.
  2. كتاب التاريخ (شيه تشينج) Shih Ching، ويشمل الوثائق التاريخية الخاصة بالصين في عصورها القديمة (من 800-2000 ق.م) ولا سيما الأوامر والمراسيم الملكية والإمبراطورية.
  3. كتاب التغيرات (آي – تشينج) I-Ching، الذي يبين سبب تطور الحوادث، وفيه استطاع أن يحول التنجيم إلى دراسة علمية للسلوك الإنساني، وكيف يتأثر الإنسان بالظروف الطبيعية والاجتماعية التي تكتنفه، ومن ثم يمكن التنبؤ بسلوك الفرد ومستقبله، ويعزي هذا العمل تقليديا إلى وينج وانج Weng Wang.
  4. كتاب الربيع والخريف (تشو تشو) Chun Chun، وقد عالج فيه تاريخ الصين بالتفصيل بين سنتي 822 و464 ق.م تقريبا.
  5. كتاب الطقوس أو التقاليد (لي تشي) Li Chi، وهو مجموعة من القواعد التي تنظم السلوك الاجتماعي، وقد تم تأليف هذا الكتاب بعد كونفوشيوس بوقت طويل، ولكنه قد يمثل بصورة جيدة القواعد والعادات التي تعود إلى عصور سابقة.

التربية الدينية الكونفوشوسية

لا مناص بأن تعترف بحقيقة ذكرتها الأبحاث والكتابات حول الديانة الكونفوشيوسية، ألا وهي اختلافها حول هل لكونفوشيوس ديانة أم أخلاق، فيذكر مايكل هارت في مؤلفه [الخالدون المائة] “أن كونفوشيوس أحد مؤسسي الديانات الكبرى، وهذا تعبير غير دقيق، فمذهبه ليس دينيا، فهو لا يتحدث عن الله أو السماوات، وإنما مذهبه هو طريق في الحياة الخاصة والسلوك الاجتماعي والسياسي”، وهذا ما ذهب إليه كذلك أنيس منصور من خلال مؤلفه [ديانات أخرى] فعندما سأله أحد رجال الديانة البوذية: يا معلم كونفوشيوس ما دينك؟ قال لا دين لي … فقال ما كتابك؟ قال لا كتاب لي… قال ما صلواتك؟ قال لا صلوات، قال ما الذي تدعو إليه إذن؟ قال: “أن يكون الإنسان إنسانا، لا حيوانا ولا إلها”.

لكن الباحث والناسك الروحي “هوستن سميث “يرى عكس ذلك تماما، وذلك من خلال دراسته الروحية التحليلية لأديان العالم، حيث يقول :”إذا أخذ الدين بمعناه الأوسع كمنهج حياة تتم صياغته حول الاهتمامات النهائية لشعب ما، فإن الكونفوشيوسية تستحق بشكل واضح اسم الدين، وحتى لو أخذ الدين بمعناه الأضيق، أي كاهتمام بوضع الإنسانية على أرضية التعالي على الوجود المادي”.

إذن على الأقل نستطيع أن تقول أنه كان لكونفوشيوس مشروع ديني من خلال النقاط التالية:

  • مشروعا لا ينتهي من التربية الذاتية، حتى يصبح الإنسان إنسانا كاملا.
  • إن النفس هي مركز العلاقات الإنسانية المتبادلة، إنه يتم بناؤها من خلال العلاقات المتبادلة مع الآخرين.

كان كونفوشيوس يعتبر التعليم مسؤولا على توعية العناية والاهتمام بالفرد لإنتاج حياة اجتماعية بالصفات التالية:

أ- “ج ين” Jen: تعني كلمة “ج ين” المشتقة لغويا من حرفي “الإنسان” و”الاثنين” العلاقة المثالية التي يجب أن تسود بين الناس.

ب- “تشون تسو” Chunt zu: هي التعبير المثالي عن مثل هذه العلاقة بين الناس، وقد ترجمت إلى الشخص العظيم أو رفيع المنزلة والإنسانية المتفوقة في أفضل أحوالها.

ت- المفهوم الثالث هو “لي” Li: وله معنيان،
– الأدب واللباقة، الطريقة الصحيحة التي يجب أن يعامل بها الإنسان أو يتصرف بها.
– الوسيطة: فالوسط هو المنهج أو الطريق الذي يكون بشكل ثابت في المنتصف … إن احترام الوسط يجلب الانسجام والتوازن، إنه يشجع على التفاهم والمداراة ويجعل الإنسان محتاطا ومتحفظا.

ث- “تي” Te: تعني هذه الكلمة القوة التي تحكم الناس أي السلطة (Power)، ولا يقصد كونفوشيوس هنا القوة المادية بل النزاهة وتحقيق ثقة الشعب والقوة الاقتصادية والعسكرية.

ج- “وين”: وهي لقطة تشير إلى “فنون السلام” وفي مقابل فنون الحرب، وتشمل على الموسيقى والفن، والشعر، ومجموع الثقافة في نمطها الروحي والجمالي.

فلم يدعو كونفوشيوس إلى حياة الرهبنة والتصوف الصرف، بل كان يؤكد على أن “الحياة الحّقة، قواعد وأصول وسلوك ومعاملة يلتزم بها الجميع فإذا فعلوا فلا خوف على أحد من أحد.

السابق
تعريف وتعاليم الديانة البوذية
التالي
تعريف وتعاليم الديانة الهندوسية

اترك تعليقاً